أبي هلال العسكري

118

الصناعتين ، الكتابة والشعر

وتبعه أبو تمام فقال « 1 » : هنّ الحمام فإن كسرت عيافة * من حائهنّ فإنّهنّ حمام « 2 » فمن ذا الذي جهل أنّ الحمام إذا كسرت حاؤها صارت حماما . وإنما أراد أبو نواس أنه يشبه الجيم لا يغادر من شبهها شيئا ، حتى لو زدت عليها هذه الأحرف صارت جعفرا لشدّة شبهها به ، وهو عندي صواب ، إلا أنه لو اكتفى بقوله : « كعطفة الجيم بكف أعسرا » ولم يزد الزيادة التي بعدها كان أجود وأرشق وأدخل في مذاهب الفصحاء ، وأشبه بالشعر القديم . وأما قول أبى تمام فله معنى خلاف ما ذكره ، وذلك أنه أراد أنك إذا أردت الزّجر والعيافة أدّاك الحمام إلى الحمام ، كما أنّ صوتها الذي يظنّ أنه بكاء إنما هو طرب ، ويؤدّيك إلى البكاء الحقيقي « 3 » ؛ وهذا المعنى صحيح ؛ إلا أن المعنى إذا صار بهذه المنزلة من الدّقة كان كالمعمّى ؛ والتعمية حيث يراد البيان عىّ . ومن عيوب المعنى قول أبى نواس في صفة الأسد « 4 » : كأنما عينه إذا نظرت * بارزة الجفن عين مخنوق فوصف عين الأسد بالجحوظ ، وهي توصف بالغئور ؛ كما قال الرّاجز « 5 » : كأنّما ينظر من خرق حجر وكقول أبى زبيد : كأن عينيه في وقبين من حجر * قيضا اقتياضا بأطراف المناقير « 6 »

--> ( 1 ) ديوانه : 279 . ( 2 ) الحمام ، بكسر الحاء : الموت . ( 3 ) هذا إشارة إلى معنى بيتين سبقا هذا البيت وهما : انحدرت عبرات عينك إن دعت * ورقاء حين تضعضع الإظلام لا تشجين لها فإن بكاءها * ضحك وإن بكاءك استغرام ( 4 ) الشعر والشعراء 775 ، والديوان 90 ( 5 ) أراجيز العرب : 22 ، والراجز هو حميد الأرقط : وروايته هناك كأنما عيناه في حرفى حجر ( 6 ) الشعر والشعراء 775 ، الوقب في الحجر : نقرة يجتمع فيها الماء . وقيضا : حفرا .